الشيخ محمد رشيد رضا

160

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قتل . وقال بعضهم في سبب ذلك إن عمرو بن قميئة الحارثي « 1 » لما رمى الرسول بالحجر فشج رأسه وكسر سنه أقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير صاحب راية المسلمين يومئذ حتى قتل فظن أنه قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : قتلت محمدا . فصرخ بها الصارخ حتى سمعها الكثير من المسلمين وفشت في الناس ، فوهن أكثر المسلمين وضعفوا واستكانوا من شدة الحزن . وقال بعض الضعفاء ليت عبد اللّه بن أبي يأخذ لنا من أبي سفيان أمانا . وقال قوم من المنافقين لو كان نبيا لما قتل ارجعوا إلى اخوانكم وإلى دينكم . وفي رواية ابن جرير عن السدى « وفشا في الناس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة - أي الذين فروا إلى الجبل فقاموا على صخرة منه - ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان ، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم » وقال أنس بن النضر ما يأتي عن قريب وأما المؤمنون الصادقون الموقنون فمنهم من ثبت معه ومن كان بعيدا فرجع اليه ، منهم أبو بكر وعلى وطلحة وأبو دجانة الذي جعل نفسه ترسا دونه فكان يقع عليه النبل وهو لا يتحرّك . قال ابن القيم في بيان حكم هذه الوقعة . هذه الآية كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وذكر أن توبيخ الذين ارتدوا على أعقابهم بهذه الآية قد ظهر أثره يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقد ارتد من ارتد على عقبيه وثبت الصادقون على دينه حتى كانت العاقبة لهم . أقول : ولا ينافي هذه الحكمة كون الوقعة كانت قبل وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم ببضع سنين - لأن غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة - فان توطين نفس الأمة الكبيرة على الشئ واعدادها له

--> ( 1 ) تقدم في ملخص القصة تسيمته عبد اللّه بن قمئة - وصوابه عمرو بن قميئة - وقد صرح بذلك بعضهم ومنهم شارح القاموس عند ذكر اسمه في المتن وفي بعض الكتب عبد اللّه بن قميئة وبعضها ابن قمئة وفي سيرة ابن هشام « عن أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد اللّه بن شهاب الزهري شجه في جبهته وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في جبهته »